فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



والأوّل تخويف لمن عصاه من الموحِّدين، والثاني لمن أشرك به من الملحِدين.
والتمام على قوله: {كَذَلِكَ} عن يعقوب وغيره.
قوله تعالى: {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ} أي أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب.
وتواطأوا عليه؛ والألف للتوبيخ والتعجب.
{بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} أي لم يوصِ بعضهم بعضًا بل جَمعهم الطغيان، وهو مجاوزة الحدّ في الكفر.
قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي أعرض عنهم واصفح عنهم {فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} عند الله لأنك أديت ما عليك من تبليغ الرسالة، ثم نسخ هذا بقوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين}.
وقيل: نسخ بآية السيف.
والأوّل قول الضحاك؛ لأنه قد أمر بالإقبال عليهم بالموعظة.
وقال مجاهد: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} فأعرض عنهم {فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} أي ليس يلومك ربك على تقصير كان منك {وَذَكِّرْ} أي بالعِظة فإن العِظة {تَنفَعُ المؤمنين}.
قتادة: {وَذَكِّرْ} بالقرآن {فَإِنَّ الذكرى} به {تَنفَعُ المؤمنين}.
وقيل: ذكرهم بالعقوبة وأيام الله.
وخصّ المؤمنين؛ لأنهم المنتفعون بها. اهـ.

.قال الألوسي:

{والسماء} أي وبنينا السماء {بنيناها} أي بقوة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، ومثله الآد وليس جمع {الله يَدُ} وجوزه الإمام وإن صحت التورية به {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} أي لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة، فالجملة تذييل إثباتًا لسعة قدرته عز وجل كل شيء فضلًا عن السماء، وفيه رمز إلى التعريض الذي في قوله تعالى: {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ق: 38]، وعن الحسن {لَمُوسِعُونَ} الرزق بالمطر وكأنه أخذه من أن المساق مساق الامتنان بذلك على العباد لا إظهار القدرة فكأنه أشير في قوله تعالى: {والسماء بنيناها بِأَيْدٍ} [الذاريات: 47] إلى ما تقدم من قوله سبحانه: {وَفِى السماء رِزْقُكُمْ} [الذاريات: 22] على بعض الأقوال فناسب أن يتمم بقوله تعالى: {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47] مبالغة في المنّ ولا يحتاج أن يفسر الأيد بالأنعام على هذا القول لأنه يتم المقصود دونه، واليد بمعنى النعمة لا الإنعام، وقيل: أي لموسعوها بحيث أن الأرض وما يحيط بها من الماء والهواء بالنسبة إليها كحلقة في فلاة، وقيل: أي لجاعلون لمكانية، بينها وبين الأرض سعة، والمراد السعة المكانية، وفيه على القولين تتميم أيضًا.
{والأرض} أي وفرشنا الأرض {فرشناها} أي مهدناها وبسطناها لتستقروا عليها ولا ينافي ذلك شبهها للكرة على ما يزعمه فلاسفة العصر {فَنِعْمَ الماهدون} أي نحن.
وقرأ أبو السمال ومجاهد وابن مقسم برفع {السماء} ورفع {الأرض} على أنهما مبتدآن وما بعدهما خبر لهما.
{وَمِن كُلّ شَىْء} أي من كل جنس من الحيوان {خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} نوعين ذكرًا وأنثى قاله ابن زيد.
وغيره وقال مجاهد: هذا إشارة إلى المتضادات والمتقابلات كالليل. والنهار والشقوة والسعادة والهدى والضلال والسماء والأرض والسواد والبياض والصحة والمرض إلى غير ذلك، ورجحه الطبري بأنه أدل على القدرة، وقيل: أريد بالجنس المنطقي، وأقل ما يكون تحته نوعان فخلق سبحانه من الجوهر مثلًا المادي والمجرد، ومن المادي النامي والجامد، ومن النامي المدرك والنبات، ومن الدرك الصامت والناطق وهو كما ترى {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي فعلنا ذلك كله كي تتذكروا فتعرفوا أنه عز وجل الرب القادر الذي لا يعجزه شيء فتعملوا بمقتضاه ولا تعبدوا ما سواه، وقيل: خلقنا ذلك كي تتذكروا فتعلموا أن التعدد من خواص الممكنات وأن الواجب بالذات سبحانه لا يقبل التعدد والانقسام، وقيل: المراد التذكر بجميع ما ذكر لأمر الحشر والنشر لأن من قدر على إيجاد ذلك فهو قادر على إعادة الأموات يوم القيامة وله وجه، وقرأ أبيّ {تتذكرون} بتاءين وتخفيف الذال.
{فَفِرُّواْ إِلَى الله} تفريع على قوله سبحانه: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49] وهو تمثيل للاعتصام به سبحانه وتعالى وبتوحيده عز وجل، والمعنى قل يا محمد: {فَفِرُّواْ إِلَى الله} لمكان {إِنّى لَكُمْ مّنْهُ} أي من عقابه تعالى المعد لمن لم يفر إليه سبحانه ولم يوحده {نَذِيرٌ مُّبِينٌ} بين كونه منذرًا من الله سبحانه بالمعجزات، أو {مُّبِينٌ} ما يجب أن يحذر عنه.
{وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ} عطف على الأمر، وهو نهى عن الإشراك صريحًا على نحو وحدوه ولا تشركوا، ومن الأذكار المؤثورة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وكرر قوله تعالى: {إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} لاتصال الأول بالأمر واتصال هذا بالنهي والغرض من كل ذلك الحث على التوحيد والمبالغة في النصيحة، وقيل: إن المراد بقوله تعالى: {فَفِرُّواْ إِلَى الله} [الذاريات: 05] الأمر بالإيمان وملازمة الطاعة، وذكر {وَلاَ تَجْعَلُواْ} الخ، إفرادًا لأعظم ما يجب أن يفر منه، و{إِنِّي لَكُمْ} الخ، الأول مرتب على ترك الإيمان والطاعة، والثاني على الإشراك فهما متغايران لتغاير ما ترتب كل منهما عليه ووقع تعليلًا له ولا يخلو عن كدر، وقال الزمخشري: في الآية: {فانظر إلى} طاعته وثوابه من معصيته وعقابه ووحدوا ولا تشركوا به، وكرر {إِنِّي لَكُمْ} إلخ عند الأمر بالطاعة والنهي عن الشرك ليعلم أن الإيمان لا ينفع إلا مع العمل كما أن العمل لا ينفع إلا مع الإيمان وأنه لا يفوز عند الله تعالى إلا الجامع بينهما انتهى، وفيه أنه لا دلالة في الآية على ذلك بوجه ثم تفسير الفرار إلى الله بما فسره أيضًا لينطبق على العمل وحده غير مسلم على أنه لو سلم الإنذار بترك العمل فمن أين يلزم عدم النفع، وأهل السنة لا ينازعون في وقوع الإنذار بارتكاب المعصية، فالمنساق إلى الذهن على تقدير كون المراد بالفرار إلى الله تعالى العبادة أنه تعالى أمر بها أولًا وتوعد تاركها بالوعيد المعروف له في الشرع وهو العذاب دون خلود، ونهى جل شأنه ثانيًا أن يشرك بعبادته سبحانه غيره وتوعد المشرك بالوعيد المعروف له وهو الخلود، وعلى هذا يكون الوعيد أن متغايرين وتكون الآية في تقديم الأمر على النهي فيها نظير قوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالحا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا} [الكهف: 110]، وقوله سبحانه: {واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] وأين هذا مما ذكره الزمخشري عامله الله تعالى بعدله.
{كذلك} أي الأمر مثل ذلك تقرير وتوكيد على ما مر غير مرة، ومن فصل الخطاب لأنه لما أراد سبحانه أن يستأنف قصة قولهم المختلف في الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن تقدمت عمومًا أو خصوصًا في قوله تعالى: {إِنَّكُمْ لَفِى قول مُّخْتَلِفٍ} [الذاريات: 8] وكان قد توسط ما توسط قال سبحانه: الأمر كذلك أي مثل ما يذكر ويأتيك خبره إشارة إلى الكلام الذي يتلوه أعني قوله عز وجل: {مَا ءاتَيْتُكَ الذين مِن قَبْلِهِمْ} إلى آخره فهو تفسير ما أجمل وهو مراد من قال: الإشارة إلى تكذيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام وتسميتهم إياه وحاشاه ساحرًا ومجنونًا، ويعلم مما ذكر أن كذلك خبر مبتدأ محذوف ولا يجوز نصبه بأتى على أنه صفة لمصدره، والإشارة إلى الإتيان أي {مَا ءاتَيْتُكَ الذين مِن قَبْلِهِمْ} من رسول إتيانًا مثل إتيانهم {إِلاَّ قالواْ الأمر وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدِ مَا} النافية لا يعمل فيما قبلها على المشهور، ولا يأتي مقدرًا على شريطة التفسير لأن ما لا يعمل لا يفسر عاملًا في مثل ذلك كما صرح به النحاة، وجعله معمولًا لقالوا، والإشارة للقول أي إلا قالوا ساحر أو مجنون قولا مثل ذلك القول لا يجوز أيضًا على تعسفه لمكان {مَا} وضمير قبلهم لقريش أي ما أتي الذين من قبل قريش {مِن رَّسُولٍ} أي رسول من رسل الله تعالى {إِلاَّ قالواْ} في حقه {ساحر أَوْ مَجْنُونٌ} خبر مبتدأ محذوف أي هو ساحر، وأو قيل: من الحكاية أي {إِلاَّ قالواْ ساحر}، أو {قالواْ مَّجْنُونٍ} وهي لمنع الخلو وليست من المحكي ليكون مقول كل مجموع {ساحر أَوْ مَجْنُونٌ} وفي البحر هي للتفصيل أي قال بعض: ساحر؛ وقال بعض: مجنون، وقال بعض: ساحر ومجنون فجمع القائلون في الضمير ودلت أو على التفصيل انتهى فلا تغفل.
واستشكلت الآية بأنها تدل على أنه ما من رسول إلا كذب مع أن الرسل المقررين شريعة من قبلهم كيوشع عليه السلام لم يكذبوا وكذا آدم عليه السلام أرسل ولم يكذب.
وأجاب الإمام بقوله: لا تسلم أن المقرر رسول بل هو نبي على دين رسول ومن كذب رسوله فهو يكذبه أيضًا وتعقب بأن الأخبار وكذا الآيات دالة على أن المقررين رسل، وأيضًا يبقى الاستشكال بآدم عليه السلام وقد اعترف هو بأنه أرسل ولم يكذب وأجاب بعض عن الاستشكال بالمقررين بأن الآية إنما تدل على أن الرسل الذين أتوا من قبلهم كلهم قد قيل في حقهم ما قيل، ولا يدخل في عموم ذلك المقررون لأن المتبادر من إتيان الرسول قوما مجيئه إياهم مع عدم تبليغ غيره إياهم ما أتي به من قبله وذلك لم يحصل للمقرر شرع من قبله كما لا يخفى، وعن الاستشكال بآدم عليه السلام بأن المراد ما أتي الذين من قبلهم من الأمم الذين كانوا موجودين على نحو وجود هؤلاء رسول إلا قالوا الخ، وآدم عليه السلام لم يأت أمة كذلك إذ لم يكن حين أرسل إلا زوجته حواء، ولعله أولى مما قيل: إن المراد من رسول من بني آدم فلا يدخل هو عليه السلام في ذلك، واستشكل أيضًا بأن {إِلاَّ قالواْ} يدل على أنهم كلهم كذبوا مع أنه ما من رسول إلا آمن به قوم، وأجاب الإمام بأن إسناد القول إلى ضمير الجمع على إرادة الكثير بل الأكثر، وذكر المكذب فقط لأنه الأوفق بغرض التسلية، وأخذ منه بعضهم الجواب عن الاستشكال السابق فقال: الحكم باعتبار الغالب لا أن كل أمة من الأمم أتاها رسول فكذبته ليرد آدم والمقررون حيث لم يكذبوا وفيه ما فيه وحمل بعضهم الذين من قبلهم على الكفار ودفع به الاستشكالين وفيه ما لا يخفى فتأمل جميع ذلك ولا تظن انحصار الجواب فيما سمعت فأمعت النظر والله تعالى الهادي لأحسن المسالك.
{أَتَوَاصَوْا بِهِ}.
تعجيب من إجماعهم على تلك الكلمة الشنيعة أي كأن الأولين والآخرين منهم أوصى بعضهم بعضًا بهذا القول حتى قالوه جميعًا، وقيل: إنكار للتواصي أي ما تواصوا به.
{بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغون} إضراب عن أن التواصي جامعهم إلى أن الجامع لهم على ذلك القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه.
{فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} فأعرض عن جدالهم فقد كررت عليهم الدعوة ولم تأل جهدًا في البيان فأبوا إلا إباءًا وعنادًا {فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ} على التوالي بعد ما بذلت المجهود وجاوزت في الأبلوغ كل حد معهود.
وذكر آدم على فعل التذكير والموعظة ولا تدع ذلك فالأمر بالتذكير للدوام عليه والفعل منزل منزلة اللازم وجوز أن يكون المفعول محذوفا أي فذكرهم وحذف لظهور الأمر.
{فإن الذكرى تنفع المؤمنين}.
أي الذين قدر الله تعالى إيمانهم أو المؤمنين بالفعل فإنها تزيذهم بصيرة وقوة في اليقين وفي البحر يدل ظاهر الآية على الموادعة وهي منسوخة بآية السيف وأخرج أبو داود في ناسخة وابن المنذر عن ابن عباس في قوله تعالى: {فتول عنهم} إلخ قال: أمره الله تعالى أن يتولى عنهم ليعذبهم وعذر محمدا صلى الله عليه وسلم- قال سبحانه: {وذكر} إلخ فنسختها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب والضياء في المختارة وجماعة من طريق مجاهد عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: لما نزلت {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ} [الذاريات: 54] لم يبق منا أحد إلا أيقن بالهلكة إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى عنا فنزلت {وَذَكّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين} فطابت أنفسنا، وعن قتادة أنهم ظنوا أن الوحي قد انقطع وأن العذاب قد حضر فأنزل الله تعالى: {وَذَكَرَ} الخ. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)}.
لما كانت شبهة نفاة البعث قائمة على توهم استحالة إعادة الأجسام بعد فنائها أعقب تهديدهم بما يقوض توهمهم فوُجه إليه الخطاب يُذكرهم بأن الله خلق أعظم المخلوقات ولم تكن شيئًا فلا تعدّ إعادة الأشياء الفانية بالنسبة إليها إلاّ شيئًا يسيرًا كما قال تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [غافر: 57].
وهذه الجملة والجمل المعطوفة عليها إلى قوله: {إني لكم منه نذير مبين} [الذاريات: 51] معترضة بين جملة {وقوم نوح من قبل} [الذاريات: 46] إلخ وجملة {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول} [الذاريات: 52] الآية.
وابتدىء بخلق السماء لأن السماء أعظم مخلوق يشاهده الناس، وعطف عليه خلق الأرض عطفَ الشيء على مخالفه لاقتران المتخالفين في الجامع الخيالي.
وعطف عليها خلق أجناس الحيوان لأنها قريبة للأنظار لا يكلف النظرُ فيها والتدبر في أحوالها ما يرهق الأذهان.
واستعير لخلق السماء فعل البناء لأنه منظر السماء فيما يبدو للأنظار شبيه بالقبة ونصب القبة يُدعى بناءً.
وهذا استدلال بأثر الخلق الذي عاينوا أثره ولم يشهدوا كيفيته، لأن أثره ينبىء عن عظيم كيفيته، وأنها أعظم مما يتصور في كيفية إعادة الأجسام البالية.
والأَيْد: القوة.
وأصله جَمع يد، ثم كثر إطلاقه حتى صار اسمًا للقوة، وتقدم عند قوله تعالى: {واذكر عبدنا داود ذا الأيد} في سورة ص (17).
والمعنى: بنيناها بقدرة لا يقدر أحد مثلها.
وتقديم {السماء} على عامله للاهتمام به، ثم بسلوك طريقة الاشتغال زاده تقوية ليتعلق المفعول بفعله مرتين: مرة بنفسه، ومرة بضميره، فإن الاشتغال في قوة تكرر الجملة.
وزيد تأكيده بالتذييل بقوله: {وإنا لموسعون}.
والواو اعتراضية.
والمُوسِع: اسم فاعل من أوسع، إذا كان ذا وُسع، أي قدرة.
وتصاريفه جائية من السَّعة، وهي امتداد مساحة المكان ضد الضيق، واستعير معناها للوفرة في أشياء مثل الأفراد مثل عمومها في {ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156]، ووفرة المال مثل {لينفق ذو سعة من سعته} [الطلاق: 7]، وقوله: {على الموسع قدره} [البقرة: 236]، وجاء في أسمائه تعالى الواسع {إن اللَّه واسع عليم}.
وهو عند إجرائه على الذات يفيد كمال صفاته الذاتية: الوجودِ، والحياة، والعلم، والقدرة، والحكمة، قال تعالى: {إن اللَّه واسع عليم} [البقرة: 115] ومنه قوله هنا: {وإنا لموسعون}.
وأكد الخبر بحرف (إنّ) لتنزيل المخاطبين منزلة من ينكر سعة قدرة الله تعالى، إذ أحالوا إعادة المخلوقات بعد بِلاها.
{وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48)}.
القول في تقديم {الأرض} على عامله، وفي مجيء طريقة الاشتغال كالقول في {والسماء بنيناها} [الذاريات: 47].
وكذلك القول في الاستدلال بذلك على إمكان البعث.
من دقائق فخر الدين: أن ذكر الأمم الأربع للإِشارة إلى أن الله عذّبهم بما هو من أسباب وجودهم، وهو التراب والماء والهواء والنار، وهي عناصر الوجود، فأهلك قوم لوط بالحجارة وهي من طين، وأهلك قوم فرعون بالماء، وأهلك عادًا بالريح وهو هواء، وأهلك ثمودًا بالنار.